لقاء محزن ... عزيز العرباوي    الحــيــــاة .. المهندس جورج فارس رباحية    عيد في السجون....عيد في الصليب الأحمر.....عيد في المنافي والشتات    يا ضباط أمن الدولة : كلنا في الهم شعب .. محمد عبد الفتاح عليوة    صراع المصالح الذاتية والشخصية على السلطة .. مصطفى محمد غريب    الصراع السياسي السني –الشيعي،العاني منذ فترة الانتصار على الروس في أفغانستان.    نيويورك تايمز: سوريا تزيد من قمع الإسلاميين ؟    أقباط السعودية يطالبون البابا بالتدخل لإقامة كنيسة فى السعودية !!

 

اشترك
الغاء الاشتراك

 


لمّا تزاوَجَ السِّحرُ و الدَّهشة .. كانتْ الـشّـام ...نائل شيخ خليل طباعة المقال   حفظ الملف

2010-01-18



كُلّما تفكّرتُ بنعمةِ الانتماءِ و الانتسابِ لوطنٍ بحجمِ و مكانةِ و أصالةِ سورية ، كُنتُ أتورّطُ بلُعبةٍ جَميلةٍٍ و صَعبةٍ كنتُ ألعبُها مع روحي ، حيثُ كنتُ أطرحُ السّؤال الصَّعبَ و المُحيّرَ و المفتوحَ و أضَعُ لهُ مجموعةَ أجوبةٍ منطقيةٍ و أحاولُ أنْ أقرِّرَ إلى أيٍّ منها كنتُ سأكونُ أَمْيَلَ .

كنتُ أستحضرُ الشّام كلّما أحسستُ أنّني بحاجةٍ للبَوحِ بمكنوناتِ روحي و أسألُها و معها أسألُ نفسي : ماذا لو لم تكوني أنتِ بالذّاتْ أمامَ عَينيِّ ، في قلبي ، مُعلّقةً على روحي ، ملاصقةً حَدّ التّوحُدِ لأفكاري ؟ .
ماذا لو قرّر اللهُ أنْ يُعاقبني – و هو الغني عنّي و عن عقابي – قبلَ أنْ أكونَ قادراً على ارتكابِ أيّ ذنبٍ صَغُرَ أمْ كَبُرَ فكتبَ عَلَيَ أنْ أُبصِرَ نوراً ليسَ مَنبَعُهُ وجهُ اللهِ الذي لا ينامُ مُباركاً سَماءَ و أرضَ الشّامِ و مُسَخِّراً ملائكتهُ لحِراستها ؟.
ماذا لو كََتَبَ عليَ أنْ أتنفَسَ هواءً لا يَمُرُّ من رئةِ الشّامِ و لا يتطهرُ بأنفاسها !؟ .
ماذا لو كَتبَ عليَ أنْ أسمعَ صوتاً أو همساً أو صمتاً غيرَ مغسولٍ بأصواتِ مآذن الشّامِ و عصافيرها الحالمة و مواويلها المُسْكِرَةِ و صمتَِها السّاحرِ و صَخَبِها المجنونِ و ضَجيجِها المُحبَّبِ و المُحرِّضِ على الإدمانِ !؟ .
ماذا لو كَتبَ علي أنْ أُربّي أنفي على غيرِ ياسمينِ الشّام و فُلّ الشّام و رائحةِ العرقِ من تحتِ إبطيّ الشَّام !!؟ .
ماذا لو حَرمَ إحساسي من نعمةِ التَّتلمذِ على يدي حاراتِ دِمشقَ و قاسيونِ دمشقَ و جامعِ دمشقَ و قلعتها وغوطتها و نهرها و أسواقها .
ماذا لو حَرمَه من لهفةِ صباحاتي لمساءاتها و مساءاتي لصباحاتها ، و من مشهدِ حَمَامَاتِ الشّامِ تأكلُ الحُبَّ و الحَبَّ من كفوفِ من أدمنَ أنْ يُطعِمَ الحمام ! ، و من مشهدِ قِطّةٍ شاميّةٍ جميلةٍ تتمخترُ بدلالٍ و أناقةٍ أمامَ متاجرِ الأسواقِ أو مقاعدِ الحدائقِ أو في باحاتِ البيوتِ ، و من مشهدِ طفلةٍ تستعدُ للصعودِ إلى حافلتها المدرسية و على ظهرها حقيبةٌ تحتوي براءة الكونِ و بِضْعُ كُتبٍ و دفاترَ و ألوانٍ و .. أحلام .
ماذا لو كُنتُ في وطنٍ لا تُباعُ في أسواقهِ بالعرباتِ الجّوالة ( عرانيسُ ) الذّرةِ المسلوقةُ و المشوية و الكستناء و ( الفيشار ) و الفولُ و التّوتُ الشّامي و التّمرُ الهنديُّ و عصيرُ البرتقالِ و الصّبّارُ و غيرها الكثير مما اعتادتْ دِمَشْقُ على بيعهِ حسبَ الفصلِ الذي يَسْكنُها .

ماذا لو لمْ يحدثْ لإحساسي أن تَراقصَ لمعزوفةٍ دِمشقيةٍ تعزِفُها بَحْرَةٌ في إحدى البيوتِ الشّاميةِ ثمَّ دارَ حولها و تمنّى لو رَشَّتْ جَسَدَهُ برذاذِها السَّاحرِ كما فعلتْ بروحهِ !!؟
ماذا لو حَرمني اللهُ من نِعمةِ البُكاءِ فرحاً أو .. تعباً في أحضانِ الشّام لمّا تتنهّد ، أو من حنانِها بعدَ أن تقسو و تَعنِدْ ، أو من حلاوةِ لقائِها بعدَ أن أَبْعُدُ .. أو تََبْعُدْ !؟
ماذا لو قُدّر لي أنْ أرضعَ حليباً مباركاً من نَهديّ أُمٍّ غيرِ الشّام !!؟
ماذا لو لمْ تكنْ أُنثايَ هي .. و مُلهمتي !؟
ماذا لو لمْ تكنْ حِرفتي و قَصيدتي ؟
ماذا لو لمْ تكنْ دُستوري و عَقيدتي ؟
ماذا لو لمْ تكنْ وطـنـي .. و قضيتي !؟

هذه هي الأسئلةُ التي تُثبتُ أجوبتُها لروحي التي هامتْ بعشقِ وطنٍ عَشِقَهُ كلُّ الذين داسوا أرضهُ الطّاهرةََ بأرواحهم لا بأقدامهم أنْ ليستْ كُلُّ الأوطانِ سَواءٌ ، و ليستْ كُلُّ النِّساءِ نِساءٌ ، و أنَّ هذه الأنثى المدهشةَ ما كانتْ بحاجةٍ لقاسَيونَ و بَرَدَى و للغُوطَةِ و للياسمينِ أو لغيرها مما حُرِمَتْ منهُ أوطانٌ أخرى لتكونَ الأطهرَ و الأجملَ و الأشهى ، ما كانتْ بحاجةٍ لأنْ تَكْشِفَ عنْ وَجهِها لكي تُكتَبَ فيها القصائدُ و تُكالُ لها المدائِحُ و تُغنّى لها المواويلُ و تُعلَنُ للكونِ كُلّهِ أنّها وطنُ الإحساسِ و أنّها أروعُ من ألهمَ و أكثرُ من فتنَ و أبلغُ من تكلّمَ .

الشّام .. هي الأنثى الاستثناء ، و التي كلّما شابتْ شبّتْ و أزهرتْ و أذهلتْ .
الأنثى التي يَحلُمُ بالنومِ في حُضنِها كلُّ المحرومينَ من وطنٍ آمنٍ و ساحرٍ ، وطنٍ مُدهشٍ .. و أليفٍ ، وطنٍ آسرٍ و .. مُحرّضٍ .

في حاراتها الموغلةِ في القِدمِ و .. الضّيّقةِ ، تتجدّدُ الأرواحُ و تتسعُ الصّدورُ و تَحْلَوُّ الدّنيا في العيون كلّما مررتَ بقنطرةٍ مُتّكئةٍ على جدارين ، أو ببسطةٍ يُباعُ فيها ما يُميّزُ أسواقَ دِمشقَ من عُطورٍ و تُحفٍ و صُورٍ و سِواها مما اعتادَ أنْ يقتنيها كُلّ من تَشرّف بزيارةِ هذه المدينةِ الأسطورة ، أو إذا مررتَ بالياسمين المُتدلّي من كلّ الجّهاتِ يُقرِئكَ السّلامَ و يَرشُّكَ برائحةٍ تُشْعِرُ حَوَاسَّكَ أنّكَ ما كنتَ أنتَ قبل ياسمين الشّام !!.

أسواقُها ، توقٌ لإفراغِ الجيوبِ و مَلْءِ الأرواحِ ، عِشْقٌ لإتعابِ الأقدامِ و إراحةِ النّفوسِ ، إدمانٌ على تجويعِ البطونِِ .. و إشباعِ العيونِ !! .

حدائِقُها .. بُيوتٌ مفتوحةٌ للسّماءِ ، مَقاعدٌ تشتاقُ لأنْ تخلوَ بنفسها و لو تحتَ المطر أو في عزّ الحرّ ، طُفولةٌ تلهو و تمرح و تُزيّن المكانَ و تُضحكهُ و تداعبُ ذاكرتهُ و ذاكرةَ من فيهِ ، و كُهولةٌ تفتحُ قلوبها لكلّ الأشياء و الأشخاصِ و تُحاكيهم بمنطقِ من جَرّبَ الحياةَ و أرادَ أن يَحكيَها بعُكّازتهِ و بلسانهِ المرتجفِ و وجههِ البشوش ، و عُشّاقٌ ضاقتْ بهم الدُّنيا إلا على مقعدٍ في ذاكرتهِ أعمارٌ من الهَمسِ و العِتابِ و القصائدِ .

مقاهيها .. احتفالٌ للفوضى الجميلةِ و المُحبَّبَة في أحيانٍ كثيرةٍ ما بينَ ثرثرةِ أحجارِ النّردِ و قرقعةِ النرجيلة و بين دندنةِ عودٍ و حديثِ حكواتيّ ، و ما بينَ التّبغِ و ( المُعسّل ) و بين رائحةِ الوردِ و .. دِمشق ! . ما بينَ عتابٍ قدْ يستحيلُ صراخاً و غضباً في لُعبةِ ( شَدّة ) و بينَ همسِ الشِّفاهِ و العيونِ و الأصابعِ و الأرواحِ على طاولةٍ أخرى قدْ تكونُ ملاصقةً للأولى !! .
و في مقاهٍ أخرى ، يحدثُ أن تلتقي بدمشقَ بأحلى و أبهى حُللِها ، فتتنفسُ رائحةَ ياسمينها و تسمعُ حديثها و عتابها و غزلها ، و تُطعمُ روحكَ و معدتكَ من ألذِّ و أطيبِ و أشهى ما يمكنُ للمرءِ أن يُطعمَ روحَهُ و معدتهُ ، في جوٍّ حميميٍّ مشحونٍ بحرفنةٍ بأصالةِ هذه المدينةِ و تُراثها .

شوارعُها .. مِهرجانٌ مُتفرِّدٌ و ساحر ، في بعضها فوضىً غريبةٌ و مفاجئةٌِ و متناقضةٌ ، مع الوقتِ ستعتادُها و تُحبّها و تفتقدها فيما لو لم تجدها في شارعٍ آخر !! ، و في بعضها الآخر يحلو لكَ محاكاةَُ أرصفتها على أن تحاكي مِقوَدَ سيّارتك طمعاً في إنعاشِ الرّوح و تسليتها و إشباعها !! .

جنونُها .. أم عقلانيتها ، ضجيجها أم هدوءها !!؟
ضحكتُها الكبيرةُ .. أم دموعها الكريمة !؟
ماؤها ، هواؤها ، تُرابُها أم سماؤها !!؟
ياسَمينُها ، فُلّها ، نرجسها ، سائرُ ورودها على كثرَتِها ، أم رائحتُها !؟
ربيعُها الحالمُ ، أم شِتاؤها المُدهشُ ، أم خريفُها الخُرافيُّ ، أم صَيفُها الصّاخبُ ؟
بردى ، الغوطة ، الرّبوة ، بقـّّين ، أمْ .. بْلودان !!؟
جبلُ قاسيون ، أم سوقُ الحميدية ، أم الجّامع الأموي ، أم حديقةُ تشرين ؟
أبوابُ دِمَشْقَ ، خاناتُ دِمَشْقَ ، متاحفُ دِمَشْقَ ، جوامعُ دِمَشْقَ ، مطاعمُ دِمَشْقَ ، أم مصايفُ دِمَشْقَ !!؟
قـَسَمُ اللهِ بها ، أمْ دُعَاءُ سَيّدِ الخَلقِ و بِشَاراتُه لها و لأهلها ، أمْ الأنبياءُ و الأولياءُ و الصَّحابةُ و الصَّالحونَ الذينَ أَبَوا إلا أنْ يُوارَوا ثَراها الطّاهِرَ ، أمْ الملائكةُ الذينَ يحرسونها بأمرِ صاحبِ الأمرِ و النّهي ؟

عن ماذا أحكي لكم و كلّ ما في دِمَشْقَ ... و ما حولَ دِمَشْقَ يستحقُ الذِّكرَ و الثَّناء و الاحتفال !!؟ .
كيف سأعتذرُ لِمَنْ سَهوتُ عنْ ذِكرهِ و التّغزُّلِ فيهِ و التّباهي بهِ ، و لِمنْ ذَكَرْتُهُ و لمْ أوّفّيهِ !!؟
كيف لي أنْ أُجيبكم جواباً يليقُ بعظمةِ الشّام و مكانَتِها و تاريخِها و حضارَتِها فيما لو سألتُموني عنّ سرِّ عشقي لها و عن عِشقِ كُلِّ من تعرّفَ على هذه البقاعِ المُباركةِ و عَرِفها ؟
كيفَ لي .. أنْ لا أبكي إذا حُرمتُ من نِعَمٍ لا يُكافِئُ اللهُ بها إلا من كانَ ذو حظٍّ عظيم !؟
كيف لي .. أن لا أَذُوبَ وَلَهاً لأجلِها و مَعها و فيها طَمَعاً في بَركةٍ مَنَّ اللهُ بها عليها !؟
كيفَ .. و هي رفيقتي الوحيدة من بينِ كلّ الرّفاق التي أجدُها تنتظرني مهما تأخّرتُ ، و تَحْضُنُني مهما بَكيتُ ، و تَرْبِتُ على كتفي مهما يَئِستُ ، و تُطفِئُ ثورتي مهما غَضِبْتُ ، و تفهمُني مهما صَمَتُ ، كيفَ و هي حبيبتي و سيدتي و مُلهِمَتي ، لا أَطيرُ شوقاً إليها كلّما نقرني الحنينُ بخبرٍ عنها ، أو صورةٍ لها ، أو صوتٍ منها ، أو شيءٍ صَغُرَ أو كَبُرَ يخصّها أو يرتبِطُ فيها ؟
كيفَ لا أهواها .. و فيها تعلّمتُ كيفَ أتكلمُ بدونِ فمٍ ، و أشُمُّ بدونِ أنْفٍ ، و أرى بدونِ عُيونٍ ، و ألْمِسُ بدونِ أصابعٍ ، و أكتُبُ بدون أقلامٍ ، و أطيرُ بدون أجنحةٍ ، و أبكي بدون دموعٍ ، و أضحكُ بدونِ شفاهٍ ، و أُدهِشُ الكونَ بحواسّي و إحساسي ؟
كيفَ لا أُصلّي صَباحَ مساء ، شُكراً و حمداً للذي كرّمني بنعمةِ الانتماءِ لها ، و رجاءً أنْ لا يَحْرِمَني المَوتَ على أرضها كما لمْ يحرمني الحياةَ معها و فيها و لها .
كيفَ لا أكونُ رسولاً للإحساسِ ، و أنا ابنُ وطنِ الإحساس !


nael-khalil@hotmail.com


   

تعليقات حول الموضوع


ارسل تعليقك ...

الاسم :

 الدولة :

 عنوان التعليق :

التعليق :

 

 

  

 
 
 


ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن سوريا التى ح
استدعت النيابة المصرية الكاتب والناشط السياسي حمدي
أفادت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية على موقعها على شبك
تابع منتخبنا الوطني سلسلة نتائجه السلبية وسقط أمام
في الاحتفال الذي أقامه حزب الله أمس في مجمع سيد ال
قالوا مكافحة البطالة.. وعينك ماتشوف ياخيو .. يسجل
حدث في طرطوس .. نعم أيها السادة حدث هذا في طرطوس و
أعلن رئيس الوزراء محمد ناجي عطري أن السعودية ستموّ
   

حقوق النشر محفوظة لجريدة زمان الوصل الالكترونية © 2001 - 2010
SAJJEL.NET